Yahoo!

التصورات حول العالم والإنسان في الديانات والمعتقدات القديمة 1

كتبها hamid bajjou ، في 25 سبتمبر 2008 الساعة: 15:58 م

الفصل الأول :  التصورات حول العالم والإنسان في الديانات والمعتقدات القديمة

 

منذ أن بدأ الإنسان يعي بوجوده الخاص المنفصل أو المتمايز عن المحيط الطبيعي من حوله، انطلق يفكر في هذا الأخير ويحاول أن يفهم ظواهره وعلاقة ذلك أو تأثيراته على حياته الخاصة. فما ميز الإنسان عن الحيوان هو بالضبط هذا الوعي بالاستقلال عن الطبيعة وبوجود حدود فاصلة بينه وبينها، وضرورة خضوعه لاكراهاتها. فقد صار الإنسان   يتساءل عن معنى الظواهر التي تعترضه أو التي يصادفها، وعن القوة والأسباب التي تحركها. ولأجل ذلك أخذ يعطي تفسيرات ويبني تصورات لهذا العالم المحيط به. وكان ذلك  بداية لتطور الحياة الثقافية التي ستكون في  أساس قيام المجتمعات البشرية.

وربما أن من أهم الإشكالات أو الأسئلة الخطيرة التي واجهها الإنسان وهو في أول مراحل وعيه، إشكالية الموت ومصير الإنسان، والعلاقة التي قد يقيمها الأموات مع الأحياء.  وفي غياب أجوبة  عن ذلك، اجتهد الخيال الإنساني في نسج تمثلات ومفاهيم بهدف إعطاء معنى مقبول ومتفق عليه من طرف أفراد الجماعة بالنسبة لهذه الظواهر.

كان أول مفهوم ربما تطلب من الإنسان البدائي قدرة أكبير على التجريد الفكري  و على الإبداع  الخيالي  هو مفهوم الروح، أو ما يعقتد أنه يتبقى من الشخص بعد مماته ، أو  من الطريدة المقتولة. فهو لم يكن ليستسغ أن يفترق مثلا عن الأشخاص الذين يرتبط بهم مرة واحدة وإلى الأبد، ولذلك جاء الافتراض أنهم لا يندثرون نهائيا، وإنما يستمرون في الوجود من حوله ولكن في هيئة مختلفة لا ترى بالعين المجردة، وهذه الهيئة غير المرئية  هي التي  ستسمى الروح.

ومن هذه الرؤى حول الروح ومابعد الموت، تطورت تصورات أخرى متعددة عن القوى الطبيعية وعن الولادة والخلق،  وبالخصوص تصور هذه الأرواح وكأنها المسؤولة عن ما يلاقيه الإنسان من مظاهر الخير أو الشر التي يصادفها في حياته. وانطلاقا من هذه الأخيرة، انبثقت التصورات الدينية الأولى، التي يعتقد أن بعض نماذجها لا زالت منتشرة لحد الآن في شكل معتقدات شامانية  chamaniqueعند بعض القبائل السيبيرية مثلا، أو أمينية aminismeعند قبائل الأدغال في وسط افريقيا أو الأمازون.

إن من أقدم ما عثر عليه لحد الآن من مؤشرات  تدل على وجود حياة ثقافية بشرية، كما كشفت عن ذلك الدراسات الأنتربولوجية، هي بقايا لمقابر دفن فيها الموتى بطريقة معينة يرجح أنها تمت حسب طقوس تعكس معتقدات ما عن الموت أو ما بعد الموت، وهي مقابر تعود لحوالي مئة ألف سنة قبل الآن. وبالإضافة إلى المقابر التي اتسع مجال انتشارها بعد هذا التاريخ، سمحت الرسومات المكتشفة على جدران الكهوف، والتي يرجع ظهورها إلى حوالي 50 ألف سنة، بإعطاء فكرة أشمل عن التصورات الذهنية والرمزية لإنسان ذلك العصر. ويعتقد أن الإنسان العارف الحديث كان  قد وصل  في هذا التاريخ، إلى مستوى متقدم من القدرة على التجريد الذهني وعلى التخيل الإبداعي، عكسته هذه الرسومات الجدارية وكذلك التطور التكنولوجي الذي وصلته صناعة الأدوات. كما يعتقد أن هذه المرحلة عرفت أيضا تطور اللغة وانتشارها. ومن هنا يفترض أن التصورات الدينية الأولى، والتي ظهرت في شكل معتقدات شامانية عند جماعات  الصيادين وجامعي الثمار،  قد وصلت إلى قمة تطورها في المرحلة الممتدة ما بين 50 ألف و10 ألف سنة قبل الآن.

غير أن الطفرة الكبرى التي سيعرفها الفكر البشري هي التي ستحدث مع الثورة الزراعية، أي  خلال الفترة الممتدة ما بين 10ألف و 3 ألف سنة قبل الميلاد، التي قادت  إلى استقرار الإنسان  وإلى بروز القرى والتجمعات السكانية الواسعة.  وهو ما أدى إلى تحول عميق ليس في العلاقة  بين الفرد والطبيعة فقط،  ولكن كذلك  بين الفرد والأشخاص الآخرين ، حيث برز على هذا المستوى نظام جديد للتراتب الاجتماعي. وعلى هذه الأرضية من العلاقات الجديدة مع الطبيعة أو بين أفراد العشيرة، برزت تصورات جديدة عن العالم، من تجلياتها الأساسية أن انتقل مركز الاعتقاد الديني من الأرواح المنتشرة في كل المخلوقات إلى مفهوم للروح أكثر تجريدا هو ما يمثله الإله المتعالي.

 

 

 

المعتقدات “الأسيانية” ()

تشير الدراسات الأنتربولوجية إلى أن أقدم الآثار المكتشفة الدالة على ظهور الزراعة،  تعود للقبائل “الأسيانية”  التي استقرت شرق الأناضول  وشمال بلاد النهرين، خلال الحقبة ما بين 10 ألف، أي بعد انتهاء العصر الجليدي الأخير، وإلى حدود 5 ألف سنة ق.م، وهي الحقبة التي تعرف بالعصر النيوليتيكي. فإلى هذه الفترة  يعود انبثاق أولى الحضارات الإنسانية التي انتشرت ما بين العراق شرقا وجزر شرق المتوسط غربا، مرورا بفلسطين والشام و الأناضول. وهي حضارات تميزت بالإضافة إلى الزراعة،  بتدجين عدد من الحيوانات وباكتشاف صناعة الخزف.

ولأن هذه الشعوب قضت مدة زمنية طويلة في التحول من مجتمع للصيد وجمع الثمار إلى مجتمع زراعي، فإن تصوراتها عن العالم، أو ما يمثل معتقداتها الدينية، قد مرت من أطوار مختلفة  من التطور. فبعض الأرواح من تلك التي كانت تقدسها في مرحلة التدين الشاماني، قد اكتسبت منزلة أعلى في معتقدات هذه الشعوب لتتحول إلى آلهة  أكثر تعاليا. ومن هذه الأرواح، روح الأم التي تحولت إلى ربة للخصب والولادة، والتي أقيمت لها التماثيل وانتشرت عبادتها في كل المنطقة  المذكورة أعلاه.  ويعزو بعض الباحثين ظاهرة بروز الربة الأم، إلى الدور الذي قامت به الأم أو المرأة فعلا، في عملية التحول الزراعي باعتبارها كانت المعنية الأولى بعملية جمع ورعاية النباتات الغذائية، حين كان الرجل لا يزال يجري وراء الطرائد في الغابة.  ولكن مع تطور المجتمع، اتجه هذا  الأخير إلى الاهتمام أكثر بتدجين الحيوانات  وبالسهر على القطيع. وقد سمح  له هذا التحول  بأن يعود إلى مركز الصدارة في الحياة الاجتماعية، وهو ما انعكس في بروز إله ذكر بديل عن الربة الأم ، أو أرفع منها مقاما، هو ما يمثله الإله الثور. ولربما لأن هذه الشعوب كانت تعيش بشكل لاممركز في القرى والتجمعات السكانية المتباعدة فيما بينها، بسبب أن  المنطقة المعنية كانت تعتمد بالدرجة الأولى على التساقطات المطرية في نشاطها الفلاحي، فإن هذه العملية للانتقال من تقديس الربة الأنثى إلى الإله الذكر، قد مرت بشكل بطيء جدا، ولم يستطع هذا الأخير أن يثبت سيادته في مجمع الآلهة إلا في المراحل المتأخرة من حضارة هذه الشعوب.

 

المعتقدات السومرية والبابلية

على عكس الشعوب الأسيانية السالفة الذكر، لم تعرف الشعوب التي كانت تعيش في نفس الفترة على ضفاف دجلة والفرات نفس الظروف الطبيعية. فالمنطقة كانت شبه قاحلة  بعد  تراجع العصر الجليدي  وامتداد  التصحر إليها  الذي بلغ أوجه حوالي 5 ألف سنة ق.م.  غير أن اختراق النهرين لها  وفر  أراضي خصبة وإن كانت معرضة بين الفينة والأخرى،  للفيضانات . وقد فرض على المستقرين الجدد من الذين هربوا من الجفاف ، أن يطوروا شبكات من قنوات الري ومن السدود، تطلب تعبئة أيادي عاملة عديدة، وبالتالي تركزا متزايدا للسكان في القرى، وكذلك تطوير لعلاقات معقدة بين أفراد نفس العشيرة أو بين العشائر المتجاورة. ولأن الإنتاج صار أكثر وفرة، فقد سمح ذلك بتطوير المبادلات التجارية وبالتالي تسهيل تبادل التأثيرات الثقافية بين شعوب متباعدة. و نتج عن هذه الوفرة أيضا أن ارتفع عدد السكان وظهرت المدن الأولى ومعها الحاجة إلى وظائف اجتماعية جديدة كالتحكيم والتدبير والكهانة. وقد تطورت هذه المدن إلى إمارات قبل أن تتوحد في دولة واحدة يحكمها ملك يعتبر نفسه ممثلا للآلهة على الأرض.

 وللإشارة هنا، أن هؤلاء المستوطنين الجدد المعروفين تحت اسم السومريين، لا يعرف كثيرا عن حياتهم سابقا، ولكن هناك احتمال أن تكون لهم علاقة ما بالحضارة العبيدية البدائية، نسبة إلى الموقع الأثري المسمى عبيد في شمال العراق، وهو موقع عثر فيه على بقايا لحضارة أولية يعتقد أنها لشعوب أسيانية.  

وقد ظهر أثر ذلك المحيط الطبيعي والاجتماعي الذي وجد السومريون أنفسهم فيه،  واضحا في معتقداتهم الدينية أو في نوع التصور الذي كانوا يحملونه عن العالم. فالأسطورة تحكي أنه قبل خلق الكون لم يكن هناك غير عماء أو بحر أولي يرمز له بالربة نامو. ومن صلب هذه الأخيرة وبعملية توالد ذاتي، خرج إله السماء آن  وإنكي إلهة الأرض، ومن تزاوجهما ولد إله الفضاء إنليل. فالربة الأم، وإن كان يعترف لها في المعتقدات السومرية أنها أصل كل المخلوقات ورمز للخصوبة والولادة، إلا أن الإله الذكر ممثلا في السماء  يبقى مع ذلك هو الأقوى  والأعلى.  بل أن هناك روايات أخرى من هذه المعتقدات تظهر الربة نامو باعتبارها ربة للشر حيث يرمز لها بالأفعى أو التنين، وتحاول أن تعيد العالم إلى حالة العماء الأولى، في المقابل  يبرز الإله إنليل كرمز للخير يقاوم هذه الأخيرة  ويهزمها. ويمكن أن  نفسر ذلك  بأن الصيغة التي وصلتنا عن  المعتقدات السومرية والتي يعود تاريخها ربما إلى بدايات الألفية الثالثة فبل الميلاد، قد تكون وضعت حين كان المجتمع قد وصل إلى درجة متقدمة في تطوره أو  في تحوله من المرحلة الأمومية matriarcale إلى المرحلة الأبيسية patriarcale.

والسومريون هم أول من بلور فكرة فصل السماء عن الأرض، ووضع تصور عن الجنة أو الفردوس المفقود، التي يعتقد أنها هي جزيرة دلمون في الخليج العربي. فحسب الأسطورة أن هذه الأخيرة لم يكن يوجد بها لا موت ولا مرض، إلى أن أكل الإله انليل من ثمار نباتاتها فمرض وأشرف على الموت. وحتى يسمح له بالاستمرار في الحياة، حكمت عليه الآلهة أن يرعى تلك النباتات إلى الأبد. وكان ذلك بداية تبلور فكرة الخطيئة الأصلية التي ستنتقل إلى عدد من الديانات ومنها الديانات الإبراهيمية، في قصة آدم والتفاحة. وليستريح انليل من هذا العمل المضني، قام بخلق الإنسان من طين وأعطاه نفحة الحياة،  ليقوم بذلك العمل بدلا عنه،  أي رعاية النباتات. وقد ترمز هذه القصة إلى عملية التحول  التي كان السومريون  قد مروا منها حين انتقالهم من ممارسة الصيد وجمع الثمار إلى النشاط الفلاحي.

إن الانسان في نظر السومريين قد خلق في الأصل، فقط لأجل خدمة الآلهة مقابل أن يقوم هؤلاء بإبعاد الشر أو أذى الشيطان عنه. وقد اعتبر الإله انليل بمثابة الرب الحامي للإنسان والأقرب إليه من بين كل الآلهة. وقد حدث أن غضبت الآلهة يوما من البشر بعد أن أزعجوها بضجيجهم ومعاصيهم، فقررت إفناءهم وإطلاق الطوفان عليهم، غير أن انليل أشفق عليهم، فقام بإخبار أحد حكمائهم يدعى زيسودرا ونصحه بصنع سفينة مكنته من النجاة هو وعائلته من الطوفان. وهذه هي  نفس القصة التي أعاد صياغتها  كتاب التوراة لاحقا، في قصة نوح، والتي نجدها أيضا في القرآن.

ولأن الإنسان قد صنع من الطين ويتغذى بما تنتجه النباتات، فهو محروم من الخلود، والموت محتوم عليه. وفي هذا الإطار تحكي ملحمة جلجامش التي يعتقد أنها  كتبت حوالي 2700 سنة ق.م،  كيف أن هذا الأخير بحث طويلا عن نبتة الخلود وإذ عثر عليها بعد جهد طويل، خطفتها منه أفعى خلال إغفاءة نوم،  وهي التي استفادت منها، بينما اضطر جلجامش القبول بالأمر الواقع والبحث عن الخلود فيما يشيده ويتركه من آثار معمارية تشهد عليه بعد موته.

يعتقد السومريون أن الآلهة هي المسؤولة عن النظام الكوني، وهي التي تحفظه من العودة إلى العماء الأولي، وقد وضعت لذلك نظاما دقيقا للحركة والسير يوجد مدونا في ألواح طينية محفوظة في السماء ( من هنا جاءت  فكرة اللوح المحفوظ عند المسلمين).  وما على الإنسان في هذه الحالة، إلا أن يخضع لأوامرها وتعاليمها حتى لا يقترف ما من شأنه أن يخل بنظام العالم. وحتى يتجنب ذلك يفترض فيه أن يتوفر على معرفة بما تحتاجه أو تأمر بها الآلهة. فقد كان على السومريين أن يطوروا وسائل معرفية جد دقيقة وتصورات ثقافية عن حياة هذه الأخيرة وعن حياة الإنسان وعلاقته بها. فهم قد تصوروا العالم على أنه رباعي الشكل يتوسطه معبد الإله في مدينة أوروك ثم لاحقا في أور أو بابل، بني هو أيضا بشكل مربع أو على الأقل رباعي الأضلاع، وبجانبه زاقورة أو بناية صاعدة إلى الأعلى، ممكن أن تكون هي الأصل الذي أخذ عنه المسلمون لاحقا فكرة الصومعة. وإلى جانب الهندسة التي تطورت بسبب الحاجة إليها في تقسيم الحقول ومد القنوات أو بناء السدود، أبدع السومريون أيضا في مجال الحساب، لضبط الكميات المتزايدة من السلع والمنتوجات التي يتم تبادلها. وفي هذا المجال ابتكر السومريون القاعدة الستينية في الحساب، التي بقيت هي المعتمدة لحد الآن في قياس الزمن أو قياس الزوايا. كما كان لهم اهتمام كبير بحركات  الكواكب والنجوم، وإليهم يعود الفضل سواء في تطوير التنجيم أو علم الفلك الذي سيرثه عنهم الإغريق لاحقا.

  ولقد عرفت منطقة ما بين النهرين أيضا،  ربما في بداية الألفية الثالثة ق.م،  تسربا لقبائل سامية قادمة من شمال الجزيرة العربية،. ولأن الموطن الأصلي لهذه  الشعوب  كان أرضا جافة أو شبه قاحلة، فإن انتقالها نحو الحضارة والاستقرار قد تم بشكل أسرع  بالمقارنة مع  الأسيانيين أو السومريين. فهم كانوا مضطرين للهجرة  إلى حيث تتوفر الرطوبة بعد أن تواصل التراجع  الجليدي وزاد توسع  الصحراء و انتشار الجفاف. فهذه الشعوب  ربما لم يتح لها أن تنضج شروط تحولها من الصيد إلى النشاط الزراعي بشكل طبيعي، وأن انتقالها تم مباشرة إما إلا النشاط الرعوي المتنقل أو إلى الاستقرار في المراكز الحضرية التي كانت قد أوجدتها الشعوب السابقة.  ومما يرجح عندنا هذا الاعتقاد، هو الغياب الواضح للمرأة في معتقدات هذه الشعوب والطبيعة البطريريكية أو الأبوية التي تميزت بها منذ البداية. فعدم وجود الربة الأم في أساطيرهم،  لهو دليل على غياب مرحلة  كافية من  الاستقرار ومن التحول التدريجي نحو النشاط الزراعي. وبمعنى آخر أن هذه الشعوب حين بدأت تؤسس لحضارتها أو لمعتقداتها،  قامت بحرق المراحل واستلهمت بعض تصوراتها  مباشرة  من الرصيد الميتولوجي الجد متطور الذي كانت  الشعوب الأخرى  قد بلورته سابقا.

 وبحسب المعطيات التاريخية المتوفرة، أن أول من وصل من القبائل السامية إلى المنطقة هم الأكاديون وملكهم سارجون الذي عاش حوالي 2400 سنة ق.م . ومن المحتمل أن هؤلاء الأخيرين  قبل وصولهم إلى العراق، كانوا قد احتكوا بالأسيانيين في سوريا وفلسطين وتأثروا بثقافتهم الزراعية الخاصة. وهذا يعني أن  هذه القبائل كانت وراء عملية مزج ثقافي واسعة  بين ثلاث أنماط ثقافية على الأقل: نمط ثقافي قائم على الزراعة “التساقطية”، ونمط قائم على الزراعة “النهرية” ثم نمط قائم على النشاط الرعوي.

بعد الأكاديين، تتابعت هجرات أخرى  للقبائل السامية نحو بلاد الرافدين. وفي هذا الإطار قامت قبائل تسمى بالعموريين باستيطان المنطقة وبناء مدينة بابل حوالي سنة 2000 ق.م. وقد تحولت هذه الأخيرة  التي يعني اسمها:  بيت إيل أو بيت الله، إلى أكبر تجمع حضاري وتجاري في المنطقة، بل ربما أول مدينة ميتروبولية في التاريخ، يقصدها أو يقطنها أفراد من ثقافات وشعوب متباينة. ولقد قامت هذه القبائل المهاجرة الجديدة با

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التصورات حول العالم والإنسان في الديانات والمعتقدات القديمة مقدمة نظرية

كتبها hamid bajjou ، في 25 سبتمبر 2008 الساعة: 15:48 م

التصورات حول العالم والإنسان في الديانات والمعتقدات القديمة

فصل من كتاب قيد التهيء تحت عنوان:

من أجل رؤية مغايرة للعالم والإنسان

 

مقدمة  نظرية مؤقتة

يمثل هذا الفصل جزءا من كتاب سيصدر لاحقا، يهدف إلى تقديم نظرة مغايرة عن العالم والإنسان، اعتمدنا في تهيئه على كل ما اطلعنا عليه من اكتشافات علمية جديدة،  في مجالات كالفيزياء والبيولوجيا والأنتربولوجيا والتاريخ والابستمولوجيا والذكاء الاصطناعي …. ألخ. وقد سعينا عبر القيام بمحاولة تركيبية، إلى توظيف عدد من النظريات الحديثة من مجالات مختلفة، نكتفي في هذه المقدمة المؤقتة بعرض مقتصر لأبرزها، في انتظار أن نعود إليها بالتفصيل في فصل لاحق عندما تكتمل صورة الكتاب ككل.

وإننا لننبه القارئ  أننا لسنا هنا  بصدد تأليف أكاديمي يعتمد الدقة في التحليل وفي الإحالة على المراجع.  والأفكار التي سنعرضها  لن تبدو  على الأقل  في ظاهرها،  أنها خاضعة  لمنهجية مضبوطة على النمط التقليدي في البحث العلمي، وذلك لأسباب متعددة.

 فأنا لست متخصصا في ميدان علمي محدد من الميادين التي سأتطرق إليها، وما يشغلني ليس التعمق  في  مجال علمي  بعينه،  ولكن القيام بقراءة عرضية تخترق عدة مجالات في نفس الوقت أو ما يعرف بالقراءة البينتخصصية    interdisciplinarité، التي قد تهتم  بالعلاقات أو الحدود بين هذه التخصصات  أكثر منها  القيام  ببحوث متخصصة. ومن المعروف أن البحث العلمي قد يتبع منهجين مختلفين:

 منهج استنباطي  تحليلي analytico-déductif ينطلق  من حقيقة مسلم بها، ليقوم بعد ذلك بتعميمها وتوسيع تطبيقاتها أوالبحث في تفاصيلها. وفي هذه الحالة يكفي أن تأتي بمثال واحد يناقض المسلمة الأولى حتى تنهار النظرية  كلها.

ثم منهج استقرائي تركيبي ينطلق من وقائع مختلفة لا رابط فيما بينها في البداية، ليحاول القيام بتركيب أو استخلاص   نظرية جديدة قد تصلح لتفسير ظواهر وقفت  التخصصات العلمية الموجودة لحد الآن  عاجزة أمامها. غير أن هذا النوع من النظريات قد لا تخرج مكتملة منذ البداية، ولكنها قد تأتي في شكل    فرضيات أو موجهات للبحث يفترض تعريضها  للمساءلة والتجريب قصد اكتشاف جوانب النقص فيها. وفي هذه الحالة نكون أمام نموذج للتحليل modèle d’analyse  أكثر منه أمام نظرية مكتملة البناء، وأنه في حالة اكتشاف  مثال  مناقض، لا يعني   بالضرورة أن نلغي النموذج من أصله،  ولكن يكفي ربما أن ندخل تعديلات عليه أو  نصححه حتى يصير قادرا على استيعاب هذا المثال.

هذا المنهج الأخير هو الذي اتبعناه في بحثنا، عبر تتبعنا لمختلف التصورات التي  بلورها الانسان  عبر العصور،  لتفسير العالم وموقع الإنسان داخله. وهدفنا أن نخلص في النهاية إلى تقديم  نموذج تفسيري  شامل يأخذ بعين الاعتبار كل هذه التصورات، بالاعتماد بطبيعة الحال، على مختلف الاكتشافات العلمية التي اطلعنا عليها لحد الآن.

في هذا الفصل الأول سنعرض لأهم التصورات في الموضوع التي صاغتها الحضارات والشعوب القديمة إلى حدود ظهور الحضارة الاسلامية في القرن السابع ميلادي. ستكون البداية بطبيعة الحال،  مع معتقدات الشعوب الأسيانية asianiques التي كانت أول  من أقام  حضارة زراعية في منطقة الشرق الأوسط منذ ما قبل 5 ألاف سنة تقريبا. نمر بعد ذلك إلى معتقدات شعوب بلاد الرافدين من سومريين وأكاديين  وبابليين، ثم حضارة الفراعنة في بلاد النيل، فمعتقدات شعوب بلاد الشام من حيثيين وحوريين وكنعانيين وفينيقيين. بعدها ننتقل إلى حضارة جزيرة كريت ومعتقدات الإغريق القدامى.  تأتي بعد ذلك معتقدات الفرس القديمة من زرادشتية ومجوسية أو مزدكية، ثم معتقدات شعوب الهند من براهمانية وجاينية وبوذية، تتبعها معتقدات الصينيين من كونفوشية وطاوية. نعود بعد ذلك إلى معتقدات العبرانيين اليهود، ثم نقف بشكل أكثر تدقيقا عند الفلسفة الإغريقية ومختلف مدارسها. وبمقارعة هذه الأخيرة مع معتقدات اليهود سيظهر لنا كيف  تبلور المعتقد المسيحي والحيثيات التي صاحبته،  وذلك منذ أن غزا الإسكندر المقدوني منطقة فلسطين في القرن الثالث قبل الميلاد، إلى أن انفصلت الكنيسة الأرثوذوكسية عن الكنيسة الكاثوليكية حوالي ثمانية قرون بعد ذلك.

وهذا العرض الأخير هو الذي سيكون منطلقنا في الفصول القادمة من الكتاب  لمعرفة معتقدات المسلمين، ثم مختلف النظريات الفلسفية والدينية التي ستظهر لاحقا في أوروبا، لنختم كل ذلك بأهم التصورات حول العالم والإنسان التي يروج لها حاليا. ومن تم ستكون عناصر نموذجنا التفسيري قد اكتملت كلها.

وبطبيعة الحال سيسائلنا القارئ عن المراجع التي اعتمدناها في هذا البحث والتي لم نشر إليها، فنؤكد أن كل المعلومات المذكورة هنا هي متوفرة على شبكة الأنترنيت، ويكفي إدخال أي اسم أو تاريخ أو حادثة نوردها في بحثنا، لتظهر لك عشرات المراجع على الشاشة. ويكفي أن نشير إلى مرجع واحد اعتمدنا عليه أكثر من غيره،  هو  الموسوعة الرقمية المفتوحة على الشبكة، ويكيبيديا Wikipidia خاصة باللغتين الفرنسية والإنجليزية.

    

و لقد ارتأينا قبل المرور إلى صلب الموضوع ، أن نشير ولو بشكل مقتضب إلى أهم النظريات العلمية الحديثة  التي اعتمدناها كمرشد لنا في البحث حتى نشرك القارئ منذ البداية، فيما يشغلنا على المستوى النظري،  وفي معرفة الهدف المبتغى من خلال ما سنعرضه في هذا الفصل الأول.

     

1- النظرية العامة للأنظمة المعقدة المتكيفة

La Théorie générale des systèmes complexes adaptatifs

 

تؤكد هذه النظرية أن كل شيئ،  ظاهرة أو جسم،  طبيعي كان أو ذهني أو اجتماعي أو ثقافي …،  إنما هو نظام Système مركب من عدد من الأنظمة الفرعية أو الصغرى Sous-systèmes، تحكمها نفس الآليات والقوانين الخاصة بهذا النظام. وهذا الأخير هو في نفس الوقت نظام فرعي من نظام أكبر  يضمه إلى جانب أنظمة فرعية أخرى تشبهه. فإذا أخذنا كمثال جماعة بشرية معينة كالمدينة، نجدها تتكون من عدد من الأنظمة الفرعية، هي الأحياء السكنية مثلا، كما أنها تنتمي في نفس الوقت، إلى نظام أكبر هي الدولة. وكما أن هذه الأخيرة ليست هي بنفسها سوى نظام فرعي لنظام أكبر هو العالم، كذلك فإن النظام الفرعي الذي يمثله الحي السكني، هو نفسه نظام أعلى لأنظمة فرعية تتمثل في العائلات التي تقطنه. وهكذا يمكن تتبع هذه السلسلة من الأنظمة الفرعية أو الأنظمة الكبرى إلى ما لا نهاية، سواء  في اتجاه الأسفل أو اتجاه الأعلى.

أما النظام بشكل عام، فيمكن تعريفه ببعض الخصائص الأساسية التالية:

أنه أولا يمتلك حدودا أو غشاءا يميزه ويفصله عن العالم الخارجي. وهو إذا ما افتقد هذه الحدود، يفتقد أوتوماتيكيا استقلاليته فيذوب في محيطه الخارجي، وبالتالي لا يبقى نظاما. لكن بين الانغلاق التام للنظام على نفسه، وبين تلاشيه، هناك درجات متفاوتة من الانفتاح أو الانغلاق. فإذا أخذنا مثلا جماعة  من الأفراد يربطون علاقات ما فيما بينهم، فطالما أن هذه الأخيرة لا زالت غير مرسمة أو مهيكلة كعلاقة الصداقة مثلا، فإننا نبقى في مستوى أقل من النظام ونتحدث فقط عن شبكة العلاقات Réseau، ولكن إذا ما اتفق هؤلاء الأفراد على تكوين ناد أو جمعية فيما بينهم، يتحول الأمر إلى نظام يضع لنفسه حدودا واضحة تتمثل في القوانين الخاصة بالجمعية،  تفصل أفراد الخارج أو غير المنتمين، عن أفراد الداخل المنتمين. وهذه الحدود أو الغشاء الذي يحيط بالنظام هو الذي ينظم العلاقة مع الخارج. فللجسم الحيواني مثلا حدود هي الجلد المحيط  به، وعن طريق هذا الأخير تنتظم العلاقة مع المحيط الخارجي، عن طريق الحواس مثلا لتلقي وتبادل المعلومات، أو عن طريق الفتحات الجسمية الأخرى لتبادل الأشياء المادية.

والنظام هو بالضرورة في تحول أو تطور مستمر، حتى وإن اختلفت الوتيرة من حالة إلى أخرى، وذلك راجع إلى ضغط العوامل الخارجية والداخلية على السواء، التي تدفعه إلى الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجديدة التي تطرأ في كل لحظة.  وهذا ما يسمى في لغة النظرية العامة للأنظمة، بالتكيف adaptation، أو بالبحث الدائم عن  اللياقة fitness. فإذا أخذنا  المقاولة التجارية كمثال على نظام يتطور باستمرار، فذلك لأن المنافسة الخارجية كما العلاقات الداخلية بين مكونات المقاولة، تفرض عليها ذلك، وإلا هي معرضة للتلاشي أو الانفجار.

لكن هذا التطور المستمر لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من التنويع والتعدد diversité في المكونات الداخلية للنظام، أو في تشابك العلاقات التي يقيمها مع محيطه، وهو ما يسمى بالتعقيد complexité. وحسب النظرية أعلاه، أن التعقيد قد يأخذ ثلاثة أشكال مختلفة:

- تعقيد بنيوي،  ويظهر في شكل تعدد وتكاثر أفقي للمكونات الداخلية للنظام. فالجينات مثلا داخل خلية حية، تدفع هذه الأخيرة إلى الإنقسام  والتكاثر حتى تضمن لنفسها أكثر الفرص للاستمرار في الوجود.

- تعقيد وظيفي، وهو كما في حالة هذه الجينات، حتى تزيد من فرص نجاحها، تدفع إلى التخصص حسب وظائف معينة، فتظهر بسبب ذلك خلايا مخية وأخرى دموية وثالثة جلدية ….

- تعقيد تراتبي أو سلمي d’échelle، وذلك حين تزداد المستويات أوالدرجات التي يتكون منها النظام داخليا. ففي حالة المقاولة مثلا، قد لا تضم هذه الأخيرة إلا درجين في البداية: المدير في القمة  والمستخدمين في القاعدة، ولكن التعقيد يفرض إدخال درجات أخرى بين المدير ومستخدميه كأن يعين رؤساء أقسام أو رؤساء مكاتب أو مصالح تكون واسطة بين قمة المقاولة وقاعدتها.

 وهذا التطور الذي تخضع له كل الأنظمة، خاصة الحية منها، غالبا ما يتم بطريقتين أو يمر بمرحلتين، وهو ما حاولت النظرية التطورية الداروينية بعد أن تم تحيينها، توضيحه. ففي المرحلة الأولى، قد يعمد الكائن  البيولوجي مثلا أو النظام الحي، إلى التكاثر والتعددية ، حتى يضاعف من فرص نجاحه، ولكن ظروف المحيط الخارجي قد تخضع في المرحلة الثانية، هذا الكائن لعملية انتقاء sélection، بحيث لا يبقى إلا من استطاع التأقلم مع متغيرات المحيط، أو اكتسب اللياقة الضرورية. وهو ما عبر عنه داروين بالبقاء للأصلح.

وإذا ما طبقنا هذه النظرية على عالم الأفكار  مثلا، نجد أن كل فكرة جديدة، كما أنها  نتيجة لتركيب بين عدد من الأفكار السابقة، لا بد أن تتفرع  عنها بدورها أفكار جديدة، أي تخضع لقانون التكاثر والتعددية. غير أن الظروف التي يمر منها المجتمع في مرحلة معينة، تفرض بالضرورة عملية انتقاء ما بين الأفكار، فلا يبقى منها غير الفكرة التي تكون ملائمة لتلك الظروف ، بينما تموت الأفكار الأخرى، أو تضطر للتقوقع والإنغلاق على نفسها في انتظار ظروف أخرى قد تكون ملاءمة. وهذا نفسه ما تقوم به بذرة النبات مثلا، التي قد تبقى في حالة كمون لمدة طويلة إلى أن تتوفر لها الرطوبة والتربة المناسبة للإنبات. وفي حالة الأفكار، أن ما حاول القيام به ميشيل فوكو مثلا في نظريته حول جينيالوجية المعرفة، لا يعدو أن يكون بحثا عن مصير تلك الأفكار التي لم تحظ بالإنتقاء وتم تهميشها أو اقصاءها من الفضاء الاجتماعي كما في حالة فكرتي الجنون والشذوذ الجنسي اللتين قام  بدراستهما. وأن ما ذهب إليه ديريدا وغيره من فلاسفة الاختلاف، في الدفاع عن الاختلاف أو التعددية في الأفكار لا يمكن أن يستقيم إلى ما لا نهاية، لأنه لا بد بعد مرحلة الاختلاف، أن يتدخل قانون الانتقاء، ليمنح الأفضلية  لفكرة معينة ويقصي الأفكار الأخرى. أما  ما يذهب إليه البعض الآخر، من أن كل الأنساق الفكرية الكبرى كالليبرالية أو الماركسية أو البنيوية ..ألخ،  قد انتهى زمانها وما عاد ممكنا غير البحث فيما  هو فرعي أوجزئي أواختلافي أو خصوصي، فذلك لا يعدو من وجهة النظرية العامة للأنظمة، سوى التوقف عند المرحلة الأولى من تطور النظام أي مرحلة التنويع والتكاثر، وبالتالي تجاهل المرحلة الثانية التي تقوم على الإنتقاء وإبراز أنساق جديدة إلى الواجهة. أو من الناحية الإبستمولوجية، الوقوف عند مرحلة التفكيك وتجاهل مرحلة التركيب.

وهذه النظرية قد نستلهم منها أيضا مجموعة أخرى من المبادئ أو الأفكار التي قد تساعدنا في فهم آليات التطور  نذكر منها مثلا:

- مبدأ التعميل factorisation والتكثيف condensation

وقد ظهرت أهمية هذا المبدأ أولا في علم المعلوميات  والذكاء الإصطناعي. ففي بداية هذا العلم، كان  القيام بعملية معينة على الحاسوب  يتطلب إنجاز عدد كبير من العمليات البسيطة المكررة implémentation، لكن بفضل تطور البرمجة، أصبح من الممكن تجميع كل هذه العمليات المملة في عملية واحدة أو في نقرة واحدة على لوحة المفاتيح، هي عبارة عن اختزال أو تكثيف لكل تلك العمليات البسيطة، وهذا ما سمي بالتعميل. هذا المبدأ تأكد وجوده أيضا عند كل الكائنات الحية. فإذا حللنا عملية عادية يقوم بها حيوان عند مهاجمة الفريسة، سنلاحظ أن ذلك يتطلب منه عددا لا يحصى من القرارات التي يتخذها في ظرف وجيز جدا، كتحديد مكان الفريسة ونوعيتها والمحيط الذي توجد فيه ونوعية الحركة التي يجب القيام بها وكيفية تحريك القدم الأمامية ثم القدم الخلفية في كل لحظة، واختيار الزاوية التي يمكن منها مهاجمة الفريسة …. وكل هذا القرارات يختزلها أو يكثفها الحيوان  أو  يقوم بتعميلها  في قرار واحد. وهذا نفسه قد نطبقه على العادات والسلوكات الاجتماعية وعلى الأفكار. فللوصول إلى فكرة الله المتعالي أوالمطلق مثلا  كما سنرى في الفصل اللاحق، تطلب ذلك من البشرية المرور بآلاف السنوات وآلاف التجارب، ونحن الآن حين نمر مباشرة إلى الإيمان بالله، فإننا نقوم باختزال أو تكثيف أو تعميل  كل هذه التجارب التي مرت منها البشرية لحد الآن دفعة واحدة.  ويمكن أن نعطي مثالا آخرا من تطور التاريخ. فحينما تسأل أحد عن إمكانية تطور المغرب في المستقبل، قد يجيبك بأن أوروبا قد قضت لأجل ذلك أكثر من قرنين، وبالتالي على المغرب أن ينتظر مثل ذلك. غير أن مثل هذا الجواب يتجاهل مبدأ  التعميل، الذي قد يسمح  لتجربة دامت قرنين  أن يتم تكثيفها في عدد أقل من السنوات. وهذا بالفعل ما حصل، فاليابان كثفت تلك التجربة إلى أقل من قرن، وكوريا الجنوبية قلصتها إلى أقل من خمسين سنة، وربما تستطيع دول أخرى أن تحققا إنجازا أحسن من ذلك.

- مبدأ الإزاحة نحو الهامش

لنأخذ مثالا من شجرة النخيل، فالسعفة الجديدة عندما تنبت تكون في الوسط أو في مركز الشجرة، ولكن مع المدة تظهر سعفة أخرى فتزيح الأولى جزئيا عن المركز. وكلما توالى توالد السعفات الجديدة، ازداد إنزياح السعفة الأولى نحو الهامش حتى لا يبقى لها مكان في الشجرة فيتم قطعها أو تندثر بشكل طبيعي. ولنطبق هذا المثال على الظواهر الثقافية أو الإجتماعية. فظاهرة الهيب هوب الشبابية مثلا، أول ما ظهرت، كان ذلك في أواخر الثمانينات من القرن الماضي في مركز العالم، أي في نيويورك وبالضبط في حي هارلم. ولم تمر إلا سنوات قليلة حتى انزاحت الظاهرة نحو أوروبا ومنها باريس، ثم ما فتئ ذلك أن وصل إلينا في مدينة الدار

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في الحاجة إلى قليل من الشعبوية

كتبها hamid bajjou ، في 8 مارس 2009 الساعة: 19:29 م

في الحاجة إلى قليل من الشعبوية

في عمود العدد ليوم السبت 28 فبراير، علق الزملاء في الاتحاد الاشتراكي، على نزعة الرفض والتنكر لكل شيء، التي انتشرت بين مختلف الأوساط والمناطق في المغرب، بحيث أنه لم يعد ينظر إلى ما يحدث في بلادنا إلا من وجهة نظر سلبية. وفي مناسبات أخرى، كثيرا ما قرأت عن نقد للنزعة الشعبوية المتزايدة عند بعض من فاعلينا السياسيين، لعل آخرها مثلا ما ورد في مقالة الحبيب الطالب ليوم الإثنين 2 مارس. وبالفعل لا يمكن لأي أحد إلا أن يلاحظ هذا التذمر والسخط الشعبي المتصاعد، وهذا النزوع نحو الإحتجاج ضد كل شيء، بدءا من معطلي البرلمان في الرباط إلى نساء دواوير بني ملال وأزيلال، إلى سكان إفني وقبائل طاطا، إلى منكوبي فيضانات الخنيشات، وصولا إلى طلبة مراكش وفاس …. ألخ.

غير أنه قبل أن ننتقد مختلف هذه الشرائح الشعبية، ونعتبرها أنها كلها على خطأ، ألا تساءلنا أولا عن الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ قد يبرر البعض انتقاداته هذه بأن يدافع عن أن المغرب ليس أسوأ إلى هذا الحد، وأن كثيرا من المنجزات قد تحققت في السنوات الأخيرة، وبطبيعة الحال هذا ما لا يمكن لأحد أن ينكره. لكن المشكل ليس هنا، و دائما كان يوجد من لا ينظر إلا إلى النصف الفارغة من الكأس في مقابل من ينظر إلى النصف الممتلئة.

السؤال الحقيقي في اعتقادنا، هو لماذا أصبح جل المغاربة لا ينظرون إلا إلى النصف الفارغة، ولماذا هذه النزعة التشاؤمية التي صارت تطغى على نظرة الناس إلى بلادهم؟ لماذا لم يعد للمغاربة أدنى ثقة في المسؤولين، كل المسؤولين من أقلهم شأنا في هرم السلطة إلى أعلاهم؟ بدون شك أن هذه النظرة الارتيابية اتجاه الدولة ورجالاتها ليست جديدة في الحقل المغربي، وقديما كان يصنف المخزن كأحد مصادر الشر الثلاثة التي يجب تجنبها بجانب النار والواد. لكن الجديد ربما أن الارتياب قد امتد في السنوات الأخيرة، وذلك على الأقل منذ ما بعد حكومة اليوسفي، نحو ه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عن أية ماركسية نتحدث؟ نقاش مع علي أوعسري

كتبها hamid bajjou ، في 21 فبراير 2009 الساعة: 14:30 م

عن أية ماركسية نتحدث؟

نقاش مع علي أوعسري

1-

أشكر الرفيق علي أوعسري على مساهمته في نقاشي مع محمد حاضي، خاصة وأن ملاحظاته أعادتني إلى تجربة فكرية غنية عشتها في بداية الثمانينات مع المفكر اللبناني الكبير جمال حمدان المعروف بمهدي عامل، والذي اغتالته ميلشيات حزب الله الإرهابية إلى جانب كل من حسين مروة وجورج حاوي وغيرهم.

في بداية الثمانينات وأنا أبحث عن صوت ماركسي يكون أقرب إلى فهم واقع المجتمعات العربية ومن ضمنها المغرب، وقعت على كتاب "مقدمات نظرية" لمهدي عامل، ثم بعد ذلك باقي مؤلفاته الأخرى، بل وكل ما كان ينشر في مجلة الطريق لسان الحزب الشيوعي اللبناني آنذاك. ولا أنكر أني وقفت مبهورا وأسيرا لذلك البناء النظري المحكم الذي مثلته كتابات هذا الأخير، لم أستطع التحرر نسبيا منها، إلا بعد اطلاعي على تجربة يسارية أخرى بالمنطقة، هي تجربة الحزب الشيوعي العراقي وخاصة ما كان ينشره مثقفوه في تلك الفترة في مجلة النهج. آنذاك فقط عرفت أن ما يكتبه مهدي عامل إنما هو امتداد لمدرسة معينة في الماركسية، هي ما يعرف بالماركسية البنيوية. وهذا ما جرني إلى قراءة كل من ألتوسير وبولنتزاس من رموز هذه المدرسة في فرنسا.

من البنيوية في الماركسية إلى البنيوية في علم الاقتصاد الذي هو تخصصي الأصلي، قادني فضولي المعرفي إلى الاطلاع على نظرية جديدة هي النظرية العامة للأنظمة، وهذه الأخيرة قادتني بدورها إلى الالتقاء في بداية التسعينات مع المفكر الألماني الكبير هابرماس.

في هذه الفترة بالضبط وقع انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه كل التجارب الاشتراكية في العالم باستثناء الصين وكوبا وكوريا الشمالية، وقبل ذلك ببضع سنوات كان فشل الثورة الساندينية المسلحة في نيكاراغوا. وقد عشت شخصيا مثلما عاش ذلك كثير من اليساريين، لحظة إحباط كبيرة وانكسار وجداني، وأنا أرى كل القصور النظرية التي بنينا عليها أحلامنا تنهار كالورق.

غير أن التقائي في تلك الفترة بهابرماس كان قد فتح أمامي أفقا جديدا باطلاعي على نموذج مغاير في الماركسية هو نموذج مدرسة فرانكفورت النقدية، التي لم تسع إلى تقديم نماذج جاهزة كما فعلت اللينينية أو التروتسكية أو الماوية … ألخ، أكثر ما اهتمت بنقد المسلمات. في تلك اللحظة اقتنعت أن الماركسية كمنهج في التحليل هي أوسع من كل هذه النماذج أعلاه ومن كل التجارب والنظريات التي صيغت باسمها لحد الآن. فهي لا يمكن إلا أن تكون نظرية متجددة وقادرة على تجاوز حتى نفسها كلما تغيرت المعطيات، باعتبارها هي أيضا مجرد نتاج لمرحلة تاريخية معينة هي مرحلة الرأسمالية الصاعدة للقرن التاسع عشر. وقد كانت هذه القناعة محفزا بالنسبة لي لأن أتعاطى مع مفاهيم جديدة كالحداثة والعولمة والكونية والاقتصاد المعرفي …. وهذا ما حاولت بلورته مثلا من خلال مقالي المذكور "من أجل إعادة التجديد المعرفي لفكرة اليسار" والذي لم ينشر منه في جريدة "الأحداث المغربية" إلا جزء صغير.

2-

انطلاقا من هذه التجربة الشخصية مع الماركسية، يمكن أن أناقش الرفيق أوعسري فيما أورده من ملاحظات.

بداية، وهو يتكلم عن موقفي الإيديولوجي وليس العلمي من نظرية مهدي عامل، أسأله عما يقصده بالعلمي، وأين تقف الإيديولوجيا هنا وأين يبدأ العلم؟ هل ما نسميه اشتراكية علمية هي فعلا علمية؟ وإذا كان كذلك فأي من الاشتراكيات هي العلمية وسواها غير علمي، هل الاشتراكية الديمقراطية أم اللينينية أم الستالينية أم التروتسكية …؟ وهل ما هو عرضة للتعدد والاختلاف وتضارب الآراء يستحق أن نطلق عليه علما؟ ما أتمناه هنا هو أن نتوقف كيساريين عن الحديث عن شيئ اسمه النظرية العلمية، لأن للعلم شروطه الخاصة، وأن نتعامل مع النظرية الماركسية بقليل من التواضع باعتبارها مجرد منهج للعمل قد يخطئ أو يصيب، وأن العبرة هي بما يتحقق بالملموس من وراء استعمال هذا المنهج على أرض الواقع. فالماركسية لا يمكن أن تمثل الحقيقة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

على هامش رد محمد الحاضي

كتبها hamid bajjou ، في 19 يناير 2009 الساعة: 13:59 م

content=”text/html; charset=utf-8″ http-equiv=”Content-Type” /
content=”Word.Document” name=”ProgId” /
content=”Microsoft Word 11″ name=”Generator” /
content=”Microsoft Word 11″ name=”Originator” /
href=”file:///C:\DOCUME~1\BAJJOU~1.BAJ\LOCALS~1\Temp\msohtml1\01\clip_filelist.xml” rel=”File-List” /< type="text/css">

على هامش رد محمد الحاضي

 

يسرني كثيرا أن أصادف بين الفينة والأخرى، أقلاما من داخل الحزب، لا زالت تحمل هم الثقافة والفكر، وتصر إلا أن تعيد لهذه الواجهة التي تجاهلناها طويلا، موقعها ومكانتها ضمن انشغالاتنا الحزبية. ولهذا السبب فإنه لا يمكن لي إلا أن أشد على يد محمد الحاضي لما كتبه، بغض النظر إن كنا نتفق أو نختلف.

لقد قام الأخ الحاضي بقراءة لبعض مقالاتي، وعلى ضوءها استخلص خطاطة نظرية نسبها إلي، يقول فيها ” فإننا نعتبر أن تمييزه بين النزعة النخبوية (ذات اليمين) والنزعة الشعبوية الراديكالية (ذات اليسار) هي خطاطة …  لا تصمد أمام الحقائق التالية”. وأنه حسب منطق هذه الخطاطة، سنقتنع أن اختيارنا لموقف المشاركة الحكومية سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي كان توجها يمينيا ممخزنا، بل وأن طريق العروي ككل  الموجه بالخصوص إلى النخبة، والذي كان وراء هذا الاختيار ، هو توجه يميني، في مقابل يسارية طريق الجابري وباقي أنصار  أطروحة الكتلة التاريخية.

ربما ما اطلع عليه الحاضي مما كتبته في الموضوع، لم يكن واضحا أو يحتوي أفكارا تحتمل الالتباس، وربما وهذا هو الأقرب إلى الصواب في نظري، أن الموضوع في حد ذاته، هو  أكثر تعقيدا مما نتصور ويفترض مقاربة مغايرة لما درجنا عليه.

 فالإشكالية التي تثيرها الخطاطة المفترضة أعلاه، هو حول كيفية  التصنيف إلى يميني أو يساري، أو التمييز بين الأكثر يسارية و الأقل يسارية. هل تكون المسافة مع الدولة هي المقياس الرئيسي في هذا التمييز ؟ وفي هذه الحالة هل يكون دعاة الإصلاح الدستوري والملكية البرلمانية مثلا بيننا، هم الأكثر يسارية وراديكالية بينما المدافعين عن المشاركة هم اليمينيين؟

الحاضي يؤكد هو نفسه أن ذلك “لا يفيد في تقييم وتقويم النزوع الإيديولوجي للاتحاد الاشتراكي”. ومن جهتي لا يمكن  إلا أن أتفق معه. بل و أستسمح هنا إن أخذت تجربتي الشخصية مع هذه الإشكالية كمدخل لمعالجة الموضوع.  وجب علي ربما أن أذكر  هنا، أني كنت في وقته من بين أكثر المدافعين على اختيار المشاركة الحكومية، ومن القلائل الذين كتبوا وجادلوا آنذاك أصحاب الأطروحة المعارضة. وأني لم أعتبر نفسي يوما متيامنا.  وحتى هذه اللحظة أعتبر أن ذلك كان هو الموقف الصائب بالنظر لشروط  تلك المرحلة. لكن التيامن الذي تكلمت عنه في إحدى مقالاتي، هو ما تلا ذلك بعد قبول الاستمرار في حكومة  ادريس جطو.

في بداية التسعينات، لما لم تعد تقنعني الخطابات الشعبوية رغم راديكاليتها الظاهرية، خاصة حين كانت تغازل الإسلاميين، بحثت عن خطاب بديل.  وأول ما صادفت، كتابات  عبد العالي بنعمور  وندير يعته ومحمد الكحص وجمال براوي المنشورة جلها بالفرنسية، وجاءت بعد ذلك جمعية “بدائل” وجريدة الأحداث المغربية. ومن تم اكتشفنا بمعية أصدقائي: الهاشمي فجري والمرحوم الموغيثي …. مفهوم الحداثة لأول مرة في السياسة، حوالي سنة 1994. ذلك المفهوم الذي كان جديدا على اليساريين وحتى يثير الاستهجان أحيانا من طرف بعض المناضلين، وهو لم يعد متداولا على الألسن، إلا بعد أن استعمله الملك الراحل الحسن الثاني، في إحدى خطبه سنة 1996.   واعتبرت شخصيا أن ذلك هو ما يمثل الترجمة القريبة لأطروحة العروي التاريخانية، وهي الاستمرار لبعض شعارات بداية الثمانينات، حول “الوعي المتقدم والوعي المتأخر” أو “دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع”، وأيضا إعادة استئناف لروح وثيقة “أزمة المجتمع والبناء الديمقراطي” المقدمة إلى المؤتمر الرابع للاتحاد الاشتراكي، والتي كاد أن يقبرها تيار الشعبوية الزاحف آنذاك على الحزب.

فمن كان منا أكثر يسارية آنذاك، هل من كان يرفض أي تقارب مع الدولة، حتى وإن أدى به الأمر إلى وضع يده في يد العدل والإحسان، وغيرها من التيارات الإسلامية في المنطقة العربية في إطار ما سمي بالمؤتمر القومي الشعبي العربي، أو بحسب ما تدعو إليه أطروحة الكتلة التاريخية لعابد الجابري،  أم من كان يدعو إلى إحداث القطيعة على منهج العروي، مع مجمل التراث الماضوي الذي بقي  يكبلنا، سواء في شقه السلفي الوطني الخاص بنا، أو في شقه الماركسي القديم، والبحث عن حلفاء في هذا الاتجاه حتى مع بعض أطراف الدولة نفسها أو بعض فئات البرجوازية الليبرالية؟

من كان يجب أن يكون المحدد على هذا المستوى، الموقف السياسي أم القناعة الفكرية؟ أو من هو الأكثر يسارية، صاحب الموقف الراديكالي المعارض للدولة، حتى ولو كان مخونجا في دماغه، أم صاحب القناعات الحداثية، حتى ولو كان محسوبا على المخزن؟

هذا هو إشكال التعقيد الذي اشرنا إليه في البداية، والذي قد لا تسعفنا أدوات التحليل التقليدية، في معالجته. وبتعبير آخر، هل  اليسار هو مفهوم ذو بعد واحد يختزل في الموقف السياسي، أم هو مفهوم مركب من عدة مستويات يجب أخذها  كلها بعين الاعتبار حين إصدار أي حكم في هذا المجال؟

لقد حاولت في مقالة سابقة منشورة   بمدونتي (hamidbajjou maktoobblog  ( تحت عنوان ” اليسار والحاجة إلى التجديد المعرفي”  الاقتراب من إشكالية التعقيد هذه.  ومما ركزت عليه ضرورة تجاوز أية نظرة اختزالية أو تبسيطية للظواهر المعالجة. وفي حالة موضوع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في الـذكرى الخمسين لتأسيس الحركة الاتحادية

كتبها hamid bajjou ، في 13 يناير 2009 الساعة: 00:07 ص

في الـذكرى الخمسين لتأسيس الحركة الاتحادية

 

من الاتحاد الوطني إلى إلاتحاد الاشتراكي

ومن الاتحاد الاشتراكي إلى اتحاد لكل اليساريين

 

 

 

نحيي هذه الأيام الذكرى الخمسين لتأسيس الحركة الاتحادية و أبناؤها  وجماهيرها ومعها كل الشعب المغربي قد خرجوا  لتوهم من محطة المؤتمر الثامن للحزب و هم واعون، بفضل حسهم التاريخي و النضالي الحاجة الماسة  لعملية إعادة بناء  عميقة و شاملة.

وإذا كان لنا كاتحاديين  ويساريين أن نحيي هذه الذكرى فليس هنالك في نظرنا طريقة أفضل من أن  نجعل الاحتفاء بها  ينتمي لطبيعة وروح الحركة الاتحادية  كحركة وطنية  تاريخية و مستقبلية.

 

حركة وطنية  تاريخية و مستقبلية لأن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 24 يناير 1959 كان نتيجة مباشرة لتطور الحركة الإصلاحية و التحديثية ببلادنا و التي انطلقت مباشرة بعد هزيمة المغاربة في معركة إسلي أمام المستعمر الفرنسي سنة  1844  و إدراكهم منذ ذلك التاريخ أن الواقع قد تغير قطعا بما يجعل التحول والدخول في العالم الجديد أمرا لا مفر منه.

لكن كذلك و منذ ذلك التاريخ و تحت ضغط المصالح المادية لبعض الفئات و المحافظة الثقافية و الدينية لعموم الشعب المغربي بقي إدراك المغاربة لطبيعة و مدى الإصلاح و التحديث الضروريين دون متطلبات العالم الجديد. فتوالت الهزائم و الانتفاضات و سقط المغرب تحت ربقة الاستعمار بأشكاله المتغيرة كما أنه من جهة أخرى استطاع بالمقابل في كل مرحلة أن يطور مواقعه على طريق الإصلاح و التحديث.

إن ما  يجعلنا نفتخر كمغاربة و كاتحاديين هو أن تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية جاء جوابا متقدما على سؤال الإصلاح و التحديث ببلادنا وذلك بربطه بين الوطنية و التقدمية. ثم بعد تحوله إلى الاتحاد الاشتراكي سنة 1975، بربطه بين التقدمية والديمقراطية. و منذ ذلك التاريخ والاتحاد يقود نضال المغاربة من أجل الإصلاح و التحديث والديمقراطية بصدق و مسؤولية . لكن هذا الشعور الإيجابي بالنجاح لا يجب أن يحول بيننا و بين إدراك الحاجة الماسة و الفورية اليوم، لإحداث نقلة نوعية، تفعل الروح العميقة التي كشف عنها الاتحاديون في مؤتمرهم الأخير  فتشكل انطلاقة جديدة رصينة وحازمة في نضالات كل التقدميين والديمقراطيين ببلادنا، من شأنها أن تضع المجتمع المغربي بشكل نهائي في مصاف المجتمعات الديمقراطية الحديثة. فالتردد بين التحرك أماما والإرتكاس لم يعد مسموحا به في زمن التحولات الكبرى التي يشهدها عالم القرن الواحد و العشرين.

 

انطلاقة جديدة تكون مخلصة لكل حركة النضال المغربي من أجل الإصلاح و التقدم،  وهي بذلك تحقق شرط الاتصال. و حاسمة في إحداث القطيعة مع كل ما يقف أمام انتقال المغرب نهائيا إلى مصاف الأمم العصرية الديمقراطية الحداثية. لهذه الأسباب نجد أنفسنا أمام مهام جسام تفرض علينا تحديات موضوعية و ذاتية. ولاعتبارات تواصلية و بيداغوجية فإننا نفضل أن تتجسد مقترحاتنا في شعار :

 

من الاتحاد الوطني إلى إلاتحاد الاشتراكي

ومن الاتحاد الاشتراكي إلى اتحاد لكل اليساريين

 

على أن يقوم هذا الإطار الجديد لكل اليساريين على أساس مرجعية واضحة يمثلها الاختيار الاشتراكي الديمقراطي وذلك باستحضار العناصر التالية :

 

1  الاختيار الاشتراكي الديمقراطي للقطع نهائيا مع نزوع ضمني ساد داخل الحركة الاتحادية، يمجد الممارسة العملية أو السياسية المباشرة على حساب الواجهات الفكرية و التنظيرية و الثقافية عموما. و لعل الإنتاج الفكري والنظري للحركة الاتحادية يبقى دون مستوى ومتطلبات المعارك المتعددة و الشرسة  التي خاضتها الحركة بكل تفان. أما التقرير الإديولوجي لسنة 1975 فيشكل الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. وهو نفس الاختلال الذي تأكد مع الإهمال الذي ووجهت به وثيقة أزمة المجتمع والبناء الديمقراطي سنة 1984. 

            بل أن كل المثقفين والمبدعين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم في فترة سابقة، أنهم رفاق طريق للحزب، قد ابتعدوا عنه الآن. ولهذا فهو لن يستطيع استرجاع  موقعه إن لم يتحول هو نفسه إلى  قطب للتفكير  المبدع  والإنتاج الملتزم.

 

2  الاختيار الاشتراكي الديمقراطي تعبير عن اختيار مبدئي للتعددية. فلا مجال للحديث عن الاختيار في غياب التعدد. والتعدد هنا لا يعني الاشتراكيين فحسب، بل كل التيارات  التي أفرزها المجتمع المغربي. فنحن نطرح اختيارنا الاشتراكي الديمقراطي على عموم المواطنين المغاربة الذين لهم كامل الحرية في قبوله أو رفضه. لكننا نطرحه من قناعة راسخة من أنه الاختيار الأفضل من بين عدة اختيارات ممكنة  لمستقبل المغرب و المغاربة.

 

3 الاختيار الاشتراكي الديمقراطي  عنوان تفرضه ضرورات تخليص فئات الشباب إناثا و ذكورا، الذين لم يعيشوا أحلام وت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اليسار والحاجة إلى التجديد المعرفي (تابع)

كتبها hamid bajjou ، في 14 ديسمبر 2008 الساعة: 14:31 م

 

10- نظرية النشأتكوينية   gnoséologique

استوحيناها هذه النظرية  من عند  هابرماس،  خاصة  من كتابه ” الماركسية بعد ماركس” الصادر سنة 1975. والفكرة نفسها أخذها هو بدوره عن جان  بياجي في نظريته حول علم النفس التكويني. فقد كان على هذا الأخير، أن يواجه أطروحات المدرسة الوظيفية  التي كانت سائدة في علم النفس خلال عقود الخمسينات والستينات من القرن الماضي.  كان أصحاب هذه المدرسة يفسرون السلوك البشري، على اعتبار أنه مجرد استجابة لمحفزات خارجية، وأنه بمجرد تغيير هذه المحفزات، يمكن أن يتغير سلوك الفرد. غير أن بياجي يرد على ذلك بأن سلوك الفرد إنما هو نتيجة عملية طويلة ومتراكمة من التنشأة والتكوين وذلك منذ ولادته،  وأن المحفزات الخارجية وإن كان لها تأثير على الفرد، فليست هي التي ستحدد سلوكه. أي أن العامل الأساسي في ذلك  داخلي وليس خارجي.

وقد حاول بياجي أن يبرهن عن ذلك، بتتبعه لسلوك الفرد منذ طفولته، فيكتشف أن لهذا الأخير آليات داخلية تتحكم في تطوره، وهو حتى إن تعرض لمؤثرات خارجية، فهذه الأخيرة لن تكون ذات فعل إلا إذا تم استبطانها من طرف هذه الآليات. أو أن المحفزات الخارجية يجب أن تمر بالضرورة عبر هذه الأخيرة حتى يصبح لها تأثير على الفرد. وقد اكتشف بياجي أيضا، أن الفرد يمر بسبب هذه الآليات بمراحل من التطور السلوكي والنفسي، بحيث تكون كل مرحلة هي نتيجة لكل ما تكون لديه أو راكمه من أحداث وتجارب سابقة. وهذه المراحل هي ما يسميه بياجي بالطفولة الأولى فالثانية ، فمرحلة الصبا والمراهقة ثم الشباب فالبلوغ .. ألخ.

هذه النظرية  سيحاول هابرماس  نقلها إلى مجال التاريخ والأنتربولوجيا، فيتعامل مع المجتمع وكأنه فرد بشري. أي أنه هو أيضا يتطور بفضل آليات داخلية خاصة، وإذا كانت من مؤثرات خارجية، فإنما يتم استبطانها و إدماجها من الداخل. وكما الفرد البشري، يمر المجتمع أيضا من مراحل متدرجة من التطور حيث تبنى كل مرحلة على ما سبقها من تجارب وأحداث عاشها المجتمع من قبل. فهناك مرحلة الطفولة الأولى حين كان المجتمع البشري لا يزال يتلمس طريقه نحو الوعي بذاته، أو ما يعبر عنه بظهور الثقافة. ووعي الإنسان في لحظة معينة بأنه مختلف عن الطبيعة، إنما يمكن مقارنته بفطام الطفل  أو باللحظة التي يعي فيها أنه منفصل عن أمه ومختلف عنها. ثم أن المجتمع يتدرج في تطوره، فنقول عنه أنه في مرحلة الطفولة الأولى أو الثانية، أو في مرحلة المراهقة أو الرشد …. ونحن يمكن أن نعتبر أن البشرية قد بدأت تدخل مرحلة الرشد حين اكتشفت العقل. وبوادر هذا الاكتشاف كانت مع الفلسفة الاغريقية. لكن لأن ليس كل المجتمعات البشرية تسير بنفس وتيرة التطور، فقد تأجل هذا الرشد إلى أن جاءت النهضة الأوروبية. ولكن الوصول إلى هذه المرحلة الأخيرة، لا يعني أن البشرية قد تخلصت من رواسب طفولتها أو مراهقتها.  فكما أن الفرد البالغ يبقى محكوما طوال حياته برواسب طفولته، وهو يمكن في أية لحظة أن يعاود السقوط تحت تأثيراتها، فيقوم بتصرفات صبيانية، بسبب ما يسميه علماء النفس باللاشعور  الذي يبقى دائما حاضرا  في دواخله،  فكذلك المجتمع  الراشد قد يتصرف بصبيانية وبطيش المراهقة،  بسبب تأثير اللاشعور الجمعي  الذي وإن بقي في حالة كمون، فهو قد يعود إلى السطح في أية لحظة.

إن خاصية هذه النظرية النشأتكوينية، حين نوظفها في تحليل المجتمع في مرحلة معينة، أنها تفرض علينا ألا نقتصر في التحليل، على الإحاطة فقط بالمعطيات الخاصة بتلك المرحلة، كما تفعل مثلا النظرية الماركسية، حين تقتصر على تحليل العوامل المؤثرة الخاصة بمرحلة تاريخية محددة،  كالمرحلة الرأسمالية أو الإقطاعية …  ولكن أن نتعامل مع هذا الأخير  تماما كما يتعامل عالم النفس مع مريضه، حين يعمد إلى سبر أغوار كل مراحل حياته، منذ أن خرج من بطن أمه أو حتى وهو لا يزال جنينا.

وأكيد أنه باستحضار أو بالتركيز على أهمية ما يسمى باللاشعور الجمعي في تحليل المجتمعات، يكون هابرماس  قد أعطى مكانة قوية للعنصر الثقافي في التحليل، وهو ما سيتأكد لاحقا في نظريته حول الفعل التواصلي، وبالتالي يكون قد تجاوز الماركسية التي بقيت تربط كل شيء بالجانب الاقتصادي فقط وبالعوامل الانتاجية الخاصة بمرحلة معينة. ولهذا  ارتأينا أنه ربما من الأفضل  أن ننتقل من الحديث عن المادية التاريخية  ذات المنشأ الماركسي إلى الحديث  عن المادية النشأتكوينية.

وللإشارة فإنه بكشف التطابق بين طريقة تطور الإنسان الفرد وتطور المجتمع البشري تتضح أكثر  صحة نظرية الفراكتال أعلاه، التي توضح هنا كيف نفس شكل التطور الذي قد نجده في الكائن البيولوجي هو الذي نجده في النظام الاجتماعي وهو نفسه الذي نصادفه في المستوى الثقافي كما سنرى في الفقرة اللاحقة.

 

 11- نظرية الميمات أو “الجينات الثقافية” théorie des memes

وهي نظرية اقترحها لأول مرة في السبعينات ريتشارد داوكينز، الذي قام أيضا بإعادة تحيين نظرية داروين في التطور، خاصة  بعد ظهور عدد كبير من الاكتشافات الجديدة في علم الجينات. مفاد هذه النظرية أن الأفكار والمعاني إنما تتصرف، أو لها تقريبا نفس الآليات كما عند الجينات. أي أنها هي أيضا تسعى إلى التوالد وإعادة الانتاج، والانتقال من مكان إلى آخر والبحث عن البيئات الاجتماعية والثقافية والنفسية المناسبة قصد الاستيطان وضمان الاستمرارية.

وقبل الحديث عن هذه الأخيرة، لا بد من الإشارة أولا ولو باختصار، إلى بعض ما وصل إليه العلم في موضوع الجينات.  فما أصبح معروفا على هذا المستوى،  أن هذه الأخيرة، منذ أن ظهرت إلى الوجود، أي  حين ظهرت الحياة على سطح الأرض منذ حوالي ثلاثة ملايير سنة، وهي تسعى إلى التوالد  وإعادة إنتاج نفسها حتى تضمن استمراريتها. ولهذا الغرض عملت الجينات على توظيف كل الإمكانيات التي تتيحها الظروف الطبيعية الفيزيائية منها والكيماوية فوق الكرة الأرضية. وباعتبار أن هذه الجينات هي جزء من هذا العالم الطبيعي الذي تمثله الأرض، فقد كان من الضروري أن تخضع هي أيضا، لنفس القوانين المتحكمة في هذا الأخير. ومن هذه القوانين  بطبيعة الحال، قانون التعقيد أو التطور، والذي يأخذ  كما رأينا مسارات  مختلفة:

فهي قد تأخذ مسارا تعدديا، بحيث تدفع الخلايا التي تحملها إلى الانقسام على نفسها والتكاثر والانتشار حيثما وجدت بيئة مناسبة. ولعل من الجينات التي لا زالت تعتمد هذا المسار في التكاثر،  هي جينات البكتيريا والكائنات الأخرى الأحادية الخلية. كما قد تتبع مسار التخصص الوظيفي، أي عوض أن تتفرق  الخلايا بعد انقسامها، تفضل البقاء متوحدة في جسم واحد متعدد الخلايا، لكن مع إحداث تخصص أو توزيع للوظائف بين ا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

اليسار والحاجة إلى التجديد المعرفي

كتبها hamid bajjou ، في 13 ديسمبر 2008 الساعة: 21:13 م

اليسار والحاجة إلى التجديد المعرفي

 

كثيرا ما يتردد في النقاشات الدائرة  حاليا وسط اليساريين، أننا لم نعد نفهم ما يجري في المجتمع، وأن كل توقعاتنا السابقة قد جاءت بعكسها، وأن اليسار بشكل عام، قد فقد البوصلة. بعضنا يلعن المشاركة الحكومية، والآخرون يلعنون الطوباوية اليسراوية، ومنا من يتهم الدولة بالتآمر  والبعض الآخر يؤاخذ على المثقفين تقاعسهم وعدم تحملهم لمسؤولياتهم في إرشادنا …. ألخ

وقد بدا هذا التضارب في الآراء والتقديرات واضحا مثلا، حين طرحنا في إطار فضاء الدار البيضاء للحوار اليساري سؤال: ماذا يعني اليسار اليوم؟ فجاءت الإجابات متنافرة ومتعددة بتعدد الحاضرين والمتدخلين في ذلك اللقاء. وإذا كان هناك شبه إجماع على الاعتراف بالعجز عن فهم المرحلة وبصعوبة الفعل في الواقع، فإنه لن تجد في المقابل اثنين يتفقان على نفس المدخل أو نفس الوصفة لمعالجة هذا العجز وهذه الصعوبة.

في هذا الإطار كان تقديرنا نحن، أن مشكلتنا اليوم كيساريين، هي في هاته النظارات التي نضعها على أعيننا وننظر من خلالها إلى الواقع، نظارات أصبحت مهترئة ولم تعد تتيح سوى رؤية ضبابية. ما نقصده بالنظارات هو تلك الأدوات النظرية التي تعودنا أن نقرأ بها الواقع، وعلى ضوءها تتحدد طريقة فهمنا له وأساليب اشتغالنا فيه.

عموما يمتح اليسار المغربي أدواته النظرية هاته من مصدرين أساسيين، تراث الحركة الوطنية من جهة وما يحمله من تصورات سواء عن الوطن أو الدولة أو الثوابت الأخرى المفترض أنها تكون هويتنا، ومن تم كل ما يتعلق بنموذج الصراع السياسي الذي بنى عليه اليسار هويته السياسية.

ومن جهة أخرى، تراث الحركة الاشتراكية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، وما كرسته هذه الأخيرة من طريقة لتمثلنا للمجتمع، عبر النظر إليه بمنظار الطبقات والاستغلال الطبقي والبروليتاريا والبرجوازية والرأسمال والعمل وفائض القيمة ونمط الإنتاج والتشكيلة الاجتماعية والبنية الفوقية والتحتية ….ألخ

فهذان الصنفان من المفاهيم أو الأدوات النظرية هي التي تؤطر على العموم نظرتنا إلى المجتمع، أو تكون إجمالا فردتي النظارات التي نحملها كيساريين.

بالنسبة إلينا أن مشكلتنا تكمن ربما، في هذه المفاهيم بالذات، أي أننا بسببها، لم نعد نرى ما تجب رؤيته حقيقة في الواقع، وأن ما نتخيله كأنه هو الواقع ليس إلا وهما أو رجع صدى ناتج عن التشويش الذي تحدثه هذه النظارات في رؤيتنا.

لقد سبق وأن طرحت في علاقة بهذا الموضوع، أن من المداخل الأساسية لإعادة بناء اليسار هو إعادة تأسيسه معرفيا. لكن مع الإشارة هنا إلى أن إعادة التأسيس المعرفي هذه لا يجب أن يفهم منها وكأنه يجب أن نغلق على أنفسنا في مكاتبنا وصالوناتنا، لوضع خطاطات نظرية جاهزة ستكون هي الحل السحري لمشكلتنا، ولكن ما نقصده هو ضرورة أن نخرج خلال ممارساتنا ونضالاتنا اليومية من السبل المطروقة سلفا وتجاوز الحدود المتعارف عليها، لنجرب أفكارا وآليات جديدة في الاشتغال، أن لا نبق حبيسي التصنيفات القديمة أو أسرى أصولية يسارية تكفر أو تخون كل من تمرد على مفاهيمها المؤسسة.

بالتأكيد أننا سنكون في هذا التجريب، أمام مخاطر التيه والسقوط في براغماتية عمياء تخبط خبط عشواء، ولهذا سيكون ربما الخيط الوحيد الذي يمكن أن ينقذنا من مثل هذه المخاطر فنتمسك به، أن نبق أوفياء للروح اليسارية الحقيقية، أي أن نكون دائما بجانب الشعب وفئاته المتضررة بالخصوص، وأن يكون مقياسنا الوحيد للحكم على صحة أطروحاتنا أو خطئها، على تقدمنا أو ارتدادنا، هو حاصل ما نقدمه لهذه الأخيرة من مكاسب ملموسة بالمقارنة مع ما يحدث في مجتمعات أخرى مماثلة لنا، ومدى المصداقية والثقة التي تضعها هذه الفئات فينا بناءا على المكاسب المحققة.

سيكون علينا بطبيعة الحال، أن نستفيد من التجارب القديمة والحديثة، وننظر إلى ما ينجز من حولنا، وما جد من إبداعات في مجال الفكر والنظريات، لكن من دون أن نعتمد أي شيئ وكأنه قرآن منزل لا يقبل التحوير.

في هذا الإطار  ارتأيت  أن أعرض في هذه المقالة،  لبعض من الاجتهادات النظرية الجديدة  التي استفدت منها شخصيا في السنوات الأخيرة، وذلك من أجل تبادل النقاش فيما بيننا، ولممارسة الاستفزاز الفكري أحيانا في حق بعض العقول الجامدة. سيكون ذلك عبارة عن أفكار أو نظريات جديدة يمكن أن ندخلها تحت عنوان عريض وعام هو: النظرية العامة للأنظمة المعقدة المتكيفة

La théorie générale des systèmes complexes adaptatifs

سأعرضها هنا بشكل خام أو محاولا أحيانا تطبيقها على ظواهر اجتماعية معروفة، مع التأكيد على أن هذه الأفكار هي لا زالت قيد التجريب وتتطلب جهودا من مساهمين متعددين لتشذيبها أو إعادة صياغتها بصورة أكثر اكتمالا.

 

1-    فكرة النظرية العامة للأنظمة

لقد سبق لماركس أن وظف مفهوم البنية لتوصيف الوضع الاجتماعي والطبقي في عصره. وقد تطور هذا المفهوم لاحقا عند باحثين من ميادين علمية أخرى حتى ظهر ما يعرف بالمدرسة البنيوية، ومن ضمنها البنيوية الماركسية كما هو الحال عند ألتوسير مثلا أو مهدي عامل. لكن ما أوخذ على مفهوم البنية أنه ستاتيكي أو ثبوتي، أي أن ما يعكسه عن الواقع ليس سوى لقطات لحظية وثابتة يغيب عنها عنصر التطور والدينامية المرتبط بكل واقع.

ولتجاوز هذه المؤاخذة بالذات، ظهر مفهوم النظام le système الأكثر شمولا ليحيط ببنية أو ببنيات الواقع وهي  في حالة من التحول والتطور المستمر. وللتبسيط أكثر ربما، أن الفرق بين المفهومين،  هو الفرق بين أن ننظر  إلى ظاهرة اجتماعية ما،  من خلال عرض ألبوم للصور يظهر لنا لقطات عنها لحظية ومتقطعة  في مقابل أن ننظر إليها من خلال شريط سينمائي يأخذ بعين الاعتبار حركية الظاهرة وتحولاتها غير المنقطعة.      

وبناءا عليه فإنه باستبدالنا لمفهوم البنية بمفهوم النظام يصبح علينا  سهلا التحرر من مفاهيم كلاسيكية من قبيل الطبقة مثلا. فهذه الأخيرة  إنما كانت تشير إلى وضع اجتماعي معين تحدد انطلاقا من الموقع ضمن العملية الإنتاجية الرأسمالية، وذلك في لحظة تاريخية ثابتة هي لحظة سيادة الرأسمالية الصناعية خلال القرن التاسع عشر. ولهذا فلا معنى للحديث اليوم عن شيء اسمه البروليتاريا أو الطبقة البرجوازية بالمفهوم الذي تحدث عنه ماركس، وهي لم تعد تفي بالحاجة لتوصيف الحالات الاجتماعية الجديدة الطارئة في المجتمع. وكل من بقي يحلل المجتمع بمثل هذه المفاهيم، فكأنما لا يزال يعرف شخصا ما صار الآن بالغا، بالإحالة إلى صورة التقطت له وهو لا يزال طفلا.

نفس الملاحظة نطبقها أيضا على مفهوم الامبريالية. فهذه الأخيرة كان قد صاغها لينين في أوائل القرن الماضي، لتوصيف الحالة التي كان يوجد عليها العالم آنذاك، أو بنية النظام العالمي في تلك الفترة بالذات، حيث الهيمنة المطلقة للإستعمار الأوروبي على باقي الشعوب الأخرى. غير أنه في العقود اللاحقة شهدنا تحرر عديد من الشعوب من تلك الهيمنة، بدأت مع روسيا نفسها ثم اليابان، وتبعتهما دول أخرى مثل كوريا والنمور الأسيوية ، ثم الصين حاليا، ومن المحتمل أن تحذو الهند قريبا حذوها ومعها البرازيل أيضا وحالات أخرى ممكنة من الدول الصاعدة الجديدة. وفي هذا الإطار تظهر كم هي متهافتة بعض النظريات التي جعلت من مفهوم الإمبريالية قاعدة لها، كما هو الشأن بالنسبة لنظرية التبعية سابقا في أمريكا اللاتينية، أو نظرية العالمثالثية عند سمير أمين. وكم هي أيضا  متهافتة النظرية التي حاولت ربط العولمة بالامبريالية الأمريكية أو خلطت بين العولمة والأمركة. فنحن لو بقينا نفكر بنفس  المنطق لتوجب علينا الحديث اليوم أيضا، عن الامبريالية اليابانية والامبريالية الكورية والصينية وغدا الأمبريالية الهندية ….ألخ، وأن نتحدث مستقبلا عن “أصينة” العالم، نسبة إلى الصين.

لقد كان من نتائج انتشار النزعة البنيوية، بما فيه داخل الماركسية، أن انبرى المعادون لهذه الأخيرة، مستغلين في ذلك ما حدث في الاتحاد السوفياتي سابقا من انحراف ستاليني وهيمنة الديكتاتوريات القمعية على مجمل دول  المعسكر الاشتراكي، للمجاهرة برفض كل نزعة كليانية أو نظريات شمولية، أو ما سموه “بالأنساق الكبرى”، وعلى رأسها النظرية الماركسية. وفي مقابل ذلك دافعوا عما اعتبروه الحق في الاختلاف والتعددية. ومن ثم برزت النزعات الاختلافية والتفكيكية وثقافات الهوامش، ومعادة الاستشراق وكل ما صنف  في السنوات الأخيرة تحت خانة ما بعد الحداثة، وذلك بدءا من ميشيل فوكو وادوارد سعيد ووصولا إلى جاك ديريدا. غير أنه من نتائج هذا الهجوم المضاد على البنيوية بشكل عام والماركسية بشكل خاص، أن بدا في لحظة معينة وكأنه يستحيل إيجاد معنى موحد أو نظرية شاملة لتفسير العالم. وهو الفراغ الذي استغله أصحاب التصورات الهوياتية والأصوليات القديمة من الأصولية الإسلامية لبن لادن إلى الأصولية المسيحية لجورج بوش، للعودة لملء الفراغ في الساحة الفكرية.

في هذا الإطار إذن تأتي النظرية العامة للأنظمة، لتفند سواء ادعاءات الاختلافيين والتفكيكيين باستحالة وجود نظرية  شاملة لتفسير العالم، أو مزاعم الهوياتيين والأصوليين حول  وجود خصوصيات جوهرية  تفصل بين الشعوب أو الجماعات العرقية و الدينية مما لا يمكن تجاوزه والقفز عليه. هذه النظرية الجديدة ظهرت بوادرها لأول الأمر في علم السيبرنيتيك و بعده المعلوميات وعلوم التواصل، قبل أن تمتد إلى حقول أخرى، وتلتقي بالخصوص مع التقليد الفكري  النقدي لمدرسة فرانكفورت الماركسية الممتدة في اجتهادات هابرماس ونظريته حول الفعل التواصلي.

مما علمتني هذه النظرية شخصيا، هو أن أنظر إلى  الوجود وإلى الكون والعالم، باعتباره وحدة واحدة، يخضع لنفس النواميس ويصل إلى نفس النتائج، ليس هناك استثناءات ولا خصوصيات ولا هويات منفصلة، ولكن فقط تمايزات شكلية وكمية وليست جوهرانية. فالإنسان هو نفسه حيث ما كان، والمجتمعات إنما تشتغل بنفس الآليات، وكل ما قد يميزها إنما هي ظروف جيوسياسية وتاريخية، قد تتفاوت بينها لفترة زمنية قد تطول أو تقصر، ولكنها بالضرورة ستمر كلها تقريبا بنفس المراحل والتجارب، أو ما عبر عنه مفكرنا عبد الله العروي بالتاريخانية.

هذه النظرية هي ما ساعدني على التخلص مبكرا من وهم الخصوصية، الوطنية منها أو القومية أو الإسلامية، والدعوة إلى استحضار البعد الكوني في كل ما نفكر فيه ونخطط له، أو ما يعبر عنه بشعار: فكر كونيا ومارس محليا، وأن ننظر إلى ما يحدث في أية نقطة في بلادنا بنفس المنظار الذي ننظر به إلى أية نقطة أخرى في العالم. غير أنه لتكون مثل هذه المقارنات صحيحة، يكفي فقط أن نأخذ بعين الاعتبار درجة التفاوت الزمني وليس الجوهري، الذي يفصل بين النقطتين. وفي هذا الإطار مثلا، تأتي أهمية مقارنة ما يجري في بلادنا مع ما يحدث في بعض مجتمعات أمريكا اللاتينية، باعتبار أن درجة تفاوتها عنا ليست كبيرة، عكس المجتمعات الأوروبية، وأن ما قد يكون حاصلا فيها حاليا، هو نفسه تقريبا ما سيقع في بلادنا بعد عقد أو ما يقاربه من الزمن.

ثم ما ساعدني من جهة أخرى،  على تجاوز نزعات اللامعنى والعبثية التي وصلت إليها مثلا تفكيكية ديريدا، هو بعد اكتشاف نظرية الشواش أو الفوضى le chaos، التي جاءت لتبرهن أنه “في كل لانظام يوجد نظام”  dans tout désordre il y a de l’ordre  ، وأن كل الظواهر في العالم هي مترابطة فيما بينها، أو كما عبر عن ذلك لورنزو، “أن خفقان أجنحة فراشة في غابة الأمازون قد يكون وراء عاصفة رعدية في الصين”.

غير أنه لفهم هذا الترابط بين ظواهر كونية أو اجتماعية هي متباعدة فيما بينها في الظاهر، لا بد من توضيح واستحضار  عدد من المفاهيم أو المبادئ الوسيطة، التي تفترضها النظرية العامة  أو تسمح بإبرازها كما سيأتي بعده.

 

2- نظرية التعقيد  Théorie de la complexité

 

جاءت هذه النظرية كرد ففعل على التبسيط والاختزالية التي طيعت جل الفلسفات الكبرى للقرن التاسع عشر، من وضعانية أوغست كونت إلى غائية التاريخ في فلسفة هيغل إلى اقتصادوية ماركس …،  فكل هذه الفلسفات الأخيرة إنما كانت قد انبثقت بطريقة أو أخرى، عن  نموذج  الرؤية  أو التصور حول العالم، أو الباراديغم المعرفي الذي أسس له نيوتن بفيزياءه الميكانيكية ونظريته حول الجاذبية. فهذا الأخير تصور العالم وكأنه ساعة كبيرة تتحرك أو تدور عقاربها بدقة مضبوطة حيث كل شيئ، وإن كان يتحرك، فبانتظام ووتيرة مضبوطة، ولا شيئ يقع عبثا.

هذه النظرية الفيزيائية  المبنية على الحتمية والنمطية في الحركة،  هي ما سيحاول هؤلاء الفلاسفة أعلاه، الاقتباس منها كل في ميدانه أو بطريقته ، فيبدع أوغست كونت مثلا، نظريته الوضعانية الطامحة لتأسيس علم الاجتماع على قواعد علمية صارمة.

وبنفس المنطق سيعمل هيجل على تقديم تصور تقدمي للتاريخ، باعتباره خطا تصاعديا، ينتقل في كل مرة، من مرحلة أدنى إلى مرحلة أعلى على سلم الارتقاء الحضاري، حتى يصل في النهاية إلى تحقيق غايته القصوى والمحددة مسبقا،  المتمثلة في الفكرة المطلقة، أي تحقيق السعادة الكلية للبشرية أو ما يماثل الجنة  على الأرض. وقد تصور فوكوياما  مثلا  أن  تحقق هذه الفكرة المطلقة قد تم فعلا  في نهاية القرن العشرين، بانتصار اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية حسب النموذج الأمريكي.

من جهته لم يقم ماركس، سوى بمحاولة إسقاط الرؤية الفيزيائية للعالم كما بلورها نيوتن، متوسطا في ذلك نظرية هيجل عن التاريخ، على ميادين الاجتماع والاقتصاد.

غير أن الاكتشافات  العلمية الكبيرة  اللاحقة، كنظرية النسبية لأينشتاين، أو فيزياء الكوانتا  ونظرية اللايقين لهيزنبرج ….، قد قلبت رأسا على عقب، عديدا من  هذه الرؤى والتصورات  القديمة عن العالم أو التاريخ.

أولى الحقائق الجديدة  التي سيتم الكشف عنها، والتي تهم اليساريين بالخصوص،  هي أن التاريخ وإن كان يتقدم  على العموم بشكل تصاعدي، فلا أحد في المقابل  يستطيع أن يتنبأ بمساره على المدى البعيد أو أن يدعي أنه يملك اليقين عن غايته الحقيقية. فأن يزعم ماركس بأن تطور التاريخ سيؤول بنا حتما إلى تحقيق المجتمع الشيوعي أو الاشتراكي الخالي من كل استغلال طبقي أو ظلم اجتماعي، إنما هو مجرد تنبؤ بالغيب ليس هناك ما يدعمه علميا ولا يختلف في شيء عن رؤى ونبوءات الأنبياء القدامى. وكل ما يمكن أن يقبله العقل السليم على هذا المستوى، هو أن تحقيق المجتمع الاشتراكي العادل يبقى مجرد احتمال من بين  احتمالات متعددة لتطور التاريخ، قد يتحقق وقد لا يتحقق، وذلك يبقى مرهونا فقط بمدى استعداد وإرادة القوى الاجتماعية التي لها مصلحة في ذلك.

ثاني الحقائق أن ما يحمله اليساريون، أو بعضهم على الأقل،  من اعتقاد عن نظرية الاشتراكية العلمية باعتبارها أداة علمية موثوق منها، فيه كثير من التعدي على مجال العلم . فماركس حين صياغته لنظريته هذه   وذلك على مبدئين أساسيين: التصور المادي للتاريخ في مواجهة التصور الميتافيزيقي أو اللاهوتي، ثم التصور الجدلي للتطور في مواجهة التصور الميكانيكي والخطي، لم يكن في إمكانه أن يعتمد في ذلك، على أكثر من المعطيات العلمية المتوفرة لديه آنذاك، أي معطيات منتصف القرن التاسع عشر.

وهذا يعني أنه، بالنظر للاكتشافات العلمية اللاحقة، تكون الاشتراكية العلمية في صيغتها الأصلية قد أصبحت متجاوزة، ولا فائدة منها الآن، أو هي قاصرة  حين استعمالها في استقراء وتحليل الواقع الراهن.

من مظاهر تجلي هذا القصور ، نشير هنا إلى بعض الأمثلة:

- الأول حين تقيم  هذه النظرية كل التطور المجتمعي على ما تسميه البنية التحتية أو الاقتصادية، وتختزل مجمل البعد المادي للحياة الاجتماعية، فيما هو اقتصادي أو له علاقة بالإنتاج. وهي بهذا الاختزال تعطي للثقافي أو ما تسميه البنية الفوقية دورا ثانويا أو ملحقا بالإقتصاد. وقد كان من نتائج ذلك أن سقطت الاشتراكية العلمية في النزعة الاقتصادوية، وبقيت دائما عاجزة عن إعطاء تفسير لبعض الظواهر الثقافية المستعصية ومن بينها الظاهرة الدينية. وهذا القصور هو ما تنبه له هابرماس، فأعاد للثقافة دورها المركزي في التطور وفي الحياة الاجتماعية عبر صياغته لنظريته حول الفعل التواصلي. 

- القصور الثاني هو بالاستمرار في تقعيد الجدل على ثنائية تبسيطية: الشيء وضده ولا ثالث لهما. وهو تقليد قديم أخذه هيجل عن الفلسفة الإغريقية منذ أرسطو  فيما يعرفه علماء المنطق بالثالث المرفوع، واستمر أيضا  حتى في بعض التقاليد الدينية كما الأمر في الثنائية المانوية حول الخير والشر. وهذه الثنائية نفسها هي التي بقيت تؤثث مجمل الأدبيات الماركسية: الرأسمال والعمل، البروليتاريا والبرجوازية، الطبقات المستغلة (بفتح اللام)  والطبقات المستغلة …

- القصور

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءة في المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

كتبها hamid bajjou ، في 4 ديسمبر 2008 الساعة: 16:43 م

نظم فرع الحي المحمدي لحزب الاشتراكي الموحد مناظرة بين حميد باجو من الاتحاد الاشتراكي وعلي بندين من الحزب الاشتراكي الموحد

نص مداخلتي

في البداية أشكر الحزب الاشتراكي الموحد على هذه المبادرة ، والتي أعتبرها أول بادرة من نوعها في المغرب ، حيث يتم مناقشة نتائج مؤتمر من طرف حزب أخر وفي مقر غير مقره . في بياننا الصادر عن المؤتمر الثامن كانت هناك إشارة واضحة في اتجاه السعي لتوحيد العائلة اليسارية عبر اقتراح مبادرات . نحن نعتبر اليوم هذه الإشارة قد التقطت من خلال هذه المبادرة من طرف رفاقنا في الحزب الاشتراكي الموحد فرع الحي المحمدي عين السبع .

أود أن أشير أن حضوري كعضو المجلس الوطني هو حضور شخصي.

في تدخلي سأحاول أن أعرض نتائج المؤتمر ، لكن قبل ذلك ولكي نفهم ما وقع بالضبط داخل الاتحاد لابد من العودة إلي الوراء  لكي نعرف التحولات التي وقعت داخل الاتحاد على أكثر من مستوى .

 

على مستوى البنية السوسيولوجية للحزب

 

 لقد عرف الاتحاد تطورات داخل البنية السوسيولوجية لمناضليه.  الحزب كانت تتكون بنيته البشرية في السابق بالخصوص من فئات معينة صغري ومتوسطة من جهة ، ومن جهة ثانية فئات عمالية ، لكنه ومنذ المؤتمر السادس حصل تحول كبير في هذه البنية السوسيولوجية ، حيث ابتعدت عن الحزب فئات كثيرة من العمال والتي كانت تشتغل في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ، ثم هناك المعطى الذي ارتبط بالمشاكل التي وقعت داخل الشبيبة والذي أدى إلي فقدان الحزب لرافد هام كان يمد الحزب بالأطر ، كذلك هناك عوامل إما ترتبط بالتحول العمري أو السن ، ثم التحول في الوضع الاجتماعي . نضيف إلى هذه التحولات النتائج التي ترتبت عن ما سمي بسياسة الانفتاح والتي أدت إلى التحاق فئات جديدة ومنها على وجه التحديد ( الأعيان في القرى علي وجه التحديد ) والذي أدى إلي اتساع نسبي لقاعدة الحزب في البوادي مقابل تقلصها في المدن ، بينما الاستثناء الوحيد الإيجابي الذي وقع خلال هذه الفترة هو التحاق مناضلي الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، وذلك لأننا تجمعنا بهؤلاء تجربة نضالية للأسف نحن داخل الاتحاد لم نستطع لحد الآن الاستفادة منها أو توظيفها بالشكل الملائم .

الذي حدث با ختصارهو وجود فئا ت متوسطة  وحتى عليا في قمة هرم التنظيم ، تشيخ يوما عن يوم، وفي المقابل التحاق فئات جديدة من الأعيان في البادية لا يحملون ثقافة حزبية ، وبينهما فراغ كبير  وبالتالي وجدنا أنفسنا أمام مأزق سميناه الفراغ الجيلي داخل الاتحاد ، حيث لا نتوفر اليوم علي بديل خاصة بعد ذهاب جيل الرفيق الساسي حيث افتقدنا منذ المؤتمر السادس هذا الجيل .

على مستوى التحولات التنظيمية

 

الاتحاد كان يعتمد في السابق على لجنة الترشيحات ، حيث القدماء يتبنون أطر جديدة ، في المؤتمر السادس حاولنا أن ندخل آلية الاقتراع السري والذي سرعان ما أبان عن محدوديته ، حيث القيادة لجاءت إلي التلاعب  في نتائج الانتخابات، ثم بعد ذلك تفشت ما يعرف بظاهرة أو إغراق الفروع الحزبية بمناضلين لا يوجدون إلا على الورق . في هذا المؤتمر الأخير حدث شيء نعتبره أهم ما حققناه ، حيث حددنا عدد المؤتمرين مسبقا ، لم نعتمد علي توزيع البطائق في الفروع ، بل اعتمدنا علي معدل النتائج المحصل عليها في الانتخابات السابقة ، وكان الحضور بالصفة محدد في الثلث ، بينما الثلثين تم توزيعهم علي كل الفروع علي الصعيد الوطني. إن هذه العملية كان لها وقع إيجابي حيث لم يصل إلى المؤتمر وفي غالبيته الساحقة سوى مناضلين لهم تجربة كان يصعب توجيههم ، لكن ما كان سلبي في هذه العملية  هو أن أغلب المؤتمرين ينتمون للجيل الق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مؤتمر الاتحاد الاشتراكي الأمل المعلق

كتبها hamid bajjou ، في 24 نوفمبر 2008 الساعة: 21:02 م

مؤتمر الاتحاد الاشتراكي  الأمل المعلق

 

أخيرا تنفسنا الصعداء وخرج الحزب سالما من النفق المظلم الطويل الذي دخله منذ استقالة الكاتب الأول السابق. لم تحدث انشقاقات جديدة داخله ولم يغادره أحد من أبناءه.

بل أكثر من هذا أننا خرجنا من المؤتمر بمكسب ثمين سيسجله التاريخ لنا بفخر، هو تكريس الديمقراطية الداخلية واحترام الشفافية والنزاهة في انتخاب أجهزة الحزب، وهو ما مثل رسالة قوية  إلى كل المناضلين  مفادها أن لا زال هناك أمل لإعادة الحزب إلى وهجه السابق، وأن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة على المستقبل.

ولكن هل تحققت كل الآمال التي كانت معلقة على المؤتمر؟

بطبيعة الحال سيتفاوت الجواب على هذا المستوى بين الأكثر تفاؤلا بيننا، الذي سيرى في تكريس الديمقراطية الداخلية مكسبا يعوض  لوحده عن كل التطلعات الأخرى التي بقيت معلقة، وبين الأكثر تشاؤما، الذي سيعتبر أنه لم يتحقق الشيء الكثير مادامت نفس الوجوه القديمة المسؤولة عن  الانتكاسات السابقة، هي التي عادت من جديد.

وسيتفاوت الجواب أيضا، بين من كان يعايش الحزب من الداخل، ويعرف مسبقا حدود ما يمكن تحقيقه في ظل الشروط القائمة، وبين من كان ينظر إليه من الخارج، وكان يرى في الصخب الطويل الذي صاحب الحياة الحزبية لشهور طويلة، وكأن هناك ثورة جديدة تهيأ  داخله  ربما  تعصف بكل الوجوه و المواقف القديمة.

هل كان في الإمكان أكثر ما كان، وهل نحسب أنفسنا على صف المتفائلين أم على صف المتشائمين؟

شخصيا لم أكن أحمل أوهاما كبيرة على هذا المستوى، وكانت طموحاتي متواضعة. وعلى الرغم أني ناديت مرارا برفع سقف مطالبنا الدستورية وبالتركيز على شعار الملكية البرلمانية كأفق لنضالنا،  والدعوة للعودة إلى المعارضة وتوجه الحزب إلى تجميع قوى اليسار عبر  اقتراح مبادرات ملموسة …. ألخ، أو ما نجمله عموما في ضرورة  عودة الحزب لقواه الشعبية،  فقد كان الانطباع مسبقا،  أنه بالنظر إلى موازين القوى داخل الحزب أو على الصعيد الوطني، فذلك  يبقى  عسير على التحقيق في ظل الشروط الراهنة.

لكن لماذا كان ذلك الإصرار – وسيبقى-، على رفع مثل هذه المطالب  البعيدة المنال في المرحلة الراهنة؟

المبرر في ذلك هو اقتناعنا العميق  أن البلاد  قد أمست الآن في حاجة ماسة لحزب يساري قوي،  في الوقت الذي نلاحظ فيه أن الوضع الذي آل إليه  اليسار اليوم، الموجود منه في الحكومة أو في المعارضة، يهدد بأنه سيندثر  ككل، وأن فكرة اليسار نفسها لا تزداد إلا  اغترابا  وسط المجتمع.

من هذا المنطلق كانت آمالنا من المؤتمر الثامن هي على ثلاث مستويات:

أولا، أن نعيد الحزب لمناضليه، وهذا ما نعتبر أن هناك إشارات قوية في هذا الاتجاه،  من خلال ما ذكرناه عن تكريس الديمقراطية الداخلية، ومن خلال م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي